معركة ترسيم الحدود الجنوبية ستبدأ الآن.. واشنطن تحرك الملف مع انطلاق قطار التطبيع

أنجِز، في بيروت، اتفاق الإطار على التفاوض غير المباشر بين لبنان والعدو الإسرائيلي على ترسيم الحدود الجنوبية، براً وبحراً. ليسَت صِدفة، أن تعود واشنطن الى تحريك ملف الترسيم قبلَ نحو عام من تدشين مشروع التطبيع العربي – الإسرائيلي، وكأن المطلوب جمع أكبر عدد من قطِع البازل قبلَ الإنتخابات الأميركية، وتقديم «السلام» في منطقة الشرق الأوسط إنجازاً يذكُره التاريخ للرئيس دونالد ترامب. في الوقت عينه، يحاول لبنان الإستفادة من الإستعجال الأميركي لفرض شروطه وتثبيت حقه في كامل المساحة البحرية التي حاولت إسرائيل وضع اليد عليها، ونجحَ حتى الآن في فرض إطار التفاوض الذي يريده، من دون أن يعني ذلِك اتفاقاً على الترسيم، لأنه وفقَ ما قال رئيس مجلس النواب نبيه برّي لـ«الأخبار» فإن «المعركة ستبدأ الآن»

بداية آب الماضي، أعلَن رئيس مجلس النواب نبيه برّي في حديث إلى صحيفة «النهار» أن «المحادثات مع الأميركيين في ملف ترسيم الحدود الجنوبية أصبحت في خواتيمها». كلامٌ فسرّه كثيرون في غير محلّه، معتبرين أن الكلام الصادِر عن بري يعني اتفاقاً على ترسيم الحدود. ففي الواقع، الإتفاق الذي حصلَ هو على الإطار الذي ستتّم وفقه عملية التفاوض. وهو الإطار الذي وضعه لبنان كشرط للقبول بالمفاوضات، وأهمها رفض فصل الحدود البرية عن الحدود البحرية، ورفض التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، بخلاف ما كانت تريده واشنطن وتل أبيب وسوّقتا له في وسائل الإعلام. فالاتفاق الذي أنجِز بين لبنان والولايات المتحدة، ولا يزال بحاجة إلى موافقة إسرائيلية قبل إعلانه، ينص على أن تكون المفاوضات، بحسب مصادر مطلعة، «امتداداً للجنة تفاهم نيسان 1996، وللاجتماعات الثلاثية المتعلقة بالخروق البرية، والتي تجتمع دورياً في الناقورة (الجيش اللبناني واليونيفيل وجيش العدو). اجتماعات التفاوض ستتم في مكتب لقوات اليونيفيل في الناقورة، وبرعاية الأمم المتحدة، وبحضور مندوب أميركي كـ«وسيط ومسهّل». الفريقان، اللبناني والإسرائيلي، سيجلسان في غرفة واحدة في مقرّ الأمم المتحدة، وبينهما ممثل الأمن العام للامم المتحدة في لبنان يان كوبيتش وقائد قوة اليونيفيل من جهة، والمندوب الأميركي من الجهة الاخرى. لا يتبادل ضباط الجيش اللبناني أي حديث مباشر مع ضباط العدو، بل يتوجه كل منهم بالكلام الى الفريق الأممي، ويتلقى الرد من خلاله. وسيكون الى جانب كل فريق في التفاوض مجموعة من الخبراء».

انقر على الصورة لتكبيرها
الاتفاق نفسه، تقريباً، سبق أن توصل إليه لبنان مع الولايات المتحدة قبل أربع سنوات، وتحديداً، في نهاية عهد باراك أوباما، وقبيل الانتخابات التي اوصلت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. لكن، حينها، لم يوضع الاتفاق موضع التنفيذ، لأسباب أميركية وإسرائيلية، بحسب المصادر اللبنانية المتابعة لتفاصيل المفاوضات.
الصراع مع العدو الإسرائيلي قائم على الجزء الجنوبي من المنطقة البحرية الاقتصادية اللبنانية، وتبلغ مساحته نحو 860 كيلومتراً مربعاً في البحر (نتيجة الأطماع الاسرائيلية، كما نتيجة خطأ ارتكبه لبنان في ترسيم الحدود البحرية مع قبرص)، إضافة إلى 13 نقطة «تحفّظ» على طول الحدود البرية بين لبنان وفلسطين المحتلة. وعلى مدى سنوات، طالب العدو، مدعوماً من واشنطن، بفصل ترسيم الحدود بين البر والبحر. كان يطالب بترسيم الحدود البحرية، ثم الانتقال إلى الحدود البرية. واحياناً، طالب الأميركيون بترسيم الحدود البرية حصراً، دون البحرية. أما لبنان، فكان يتعامل مع الحدود البحرية بصفتها استمرارا للحدود البرية، وأن أي تعديل في البر سيؤدي الى تغيير كبير في البحر. تشرح المصادر الأمر بمَثَل عن «النقطة الحدودية المعروفة بـb1، الواقعة على الشاطئ، عند رأس الناقورة جنوباً. حاول العدو إجراء تعديلات عليها عبر دفع الحدود لنحو خمسين متراً شمالاً، بذرائع أمنية، وبإغراء منح لبنان مساحة أكبر في منطقة أخرى «متنازَع عليها». رفض لبنان الأمر لسببين: الأول هو عدم التفريط بمساحة لا نزاع عليها، والثاني هو ان التعديل ولو لمتر واحد شمالاً، يعني حتماً خسارة لبنان عشرات الكيلومترات المربعة في البحر».

مقترحات سابقة سقطت
سنوات مضَت على الحديث عن هذا الملف، رفض خلالها لبنان أفكاراً وخططاً أميركية للترسيم البحري منذ عام 2008، تصب كلها في المصلحة الإسرائيلية. ومنذ العام 2011، تسلّم بري التفاوض مع الجانب الأميركي. كانَ ذلكِ قبل إعادة إحيائه وتسليمه إلى مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى دافيد ساتيرفيلد، بعدَ فشل وسيطين أميركيين، هما فريديريك هوف وآموس هوكشتاين، في فرض شروط إدارتهما على لبنان. عام 2012، اقترح هوف خطاً للحدود البرية، يمنح لبنان نحو 500 كلم مربع، والباقي للعدو. لكن لبنان رفض هذا الخط، على قاعدة أن أي قاعدة للترسيم ستمنحه أكثر من ذلك. وبعد هوف، اقترح هوكشتاين فكرة إبقاء «المنطقة المتنازع عليها على ما هي عليه حالياً، وتكليف شركة مختصة باستخراج النفط والغاز العمل فيها، على ان توضع الأرباح في صندوق لتُقسّم لاحقاً باتفاق بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية». هذا الاقتراح الذي أعيد إحياؤه عام 2017، وأيده وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تيلرسون الآتي من شركة نفطية عملاقة، رفضَه لبنان أيضاً، لسببين: الاول مبدئي، متصل برفض أي تعاون مع العدو. والثاني، تقني يرتبط باستحالة تقسيم الأرباح بهذه الصورة، قبل ترسيم الحدود. قال بري لتيلرسون: «هذا الاقتراح ينفع بين دولتين صديقتين. اما نحن وإسرائيل فعدوّان. وإذا كنا سنرسّم الحدود بعد استخراج الغاز، فلنرسّمها قبله، فنأخذ حقنا بلا زيادة ولا نقصان».
الإجتماعات بين برّي والموفدين الأميركيين كشفت عن تعارض في وجهات النظر داخِل الإدارة الأميركية في ما يتعلق بهذا الملف، وأحياناً في وزارة الخارجية نفسها. على سبيل المثال، في آذار 2019، زار ساترفيلد بيروت، وكان مصراً على فصل ترسيم الحدود البرية عن البحرية، وعلى وجوب إجراء مفاوضات مباشرة بين لبنان والعدو. أصر بري على التلازم، وعلى مفاوضات غير مباشرة برعاية أممية. وعندما رفض رئيس المجلس «العرض» الأميركي، قال له ساترفيلد: «Take it or leave it»، أي أن ما يقترحه غير قابل للتفاوض. رد بري: «إذاً، أنا أرفضه». بعد أيام، أتى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بيروت. زار بري، وكان ساترفيلد ضمن الوفد المرافق. قال رئيس المجلس للوزير الأميركي: «هل هذه طريقة للتفاوض؟ لا يمكنكم فرض الشروط علينا». مباحثات قصيرة كانت كفيلة بأن يوافق بومبيو على قاعدة تلازم الترسيم بين البر والبحر، وعلى المفاوضات برعاية أممية.
نام الملف في الادراج. الزيارات المكوكية التي قام بها ساترفيلد بين لبنان والأراضي المحتلة لم تنجَح في الوصول إلى آلية نهائية للتفاوض، لأنها لم تنتزِع موافقة اسرائيلية تلبّي الشروط اللبنانية، وعلى رأسها التلازم بين البر والبحر والرعاية الأممية للمفاوضات. رُكِن الملف جانبا لفترة، بعدَ أن ورثه ديفيد شينكر عن سلفه، ثم عادَ وتحرّك برغبة أميركية أفضت إلى إتفاق الإطار. لكن شينكر، الذي زار فلسطين المحتلة قبل أيام، حيث التقى مسؤولين إسرائيليين، لم يُعد بعد بإجابة تسمح بإعلان الاتفاق.
أهمية هذا الإطار، بحسب مصادر لبنانية مطلعة على المفاوضات، تكمن في أنه لا يتيح للعدو الإسرائيلي تحقيق أي هدف من أهدافه. أولاً، لم ينجح في فرض مفاوضات مباشرة يمكن استثمارها في التسويق لفكرة التطبيع لاحقاً، بينما أوجب على الأميركيين والإسرائيليين تلازم الترسيم والرعاية الأممية، ما يعني لا تجزئة، إما الحصول على كل الحقوق وإما لا تفاوض.

التفاوض لبناني – لبناني أيضاً
الإتفاق على هذا الإطار في الداخل لم يكُن سهلاً، خاصة في ظل تفاوت الآراء حول عملية التفاوض مع العدو. ففي مرحلة سابقة أيّد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري والوزير السابق جبران باسيل، فصل البر عن البحر، والتسريع في التوصل إلى حل، للإستفادة اقتصادياً من الغاز في البحر. فيما سعى الحريري الى انتزاع الملف من برّي، لتلبية مطالب أميركية مقابل وعود بمساعدات مالية. غيرَ أن مساعي الحريري اصطدمت بموقف حاسم من حركة أمل وحزب الله، يقضي بإبقاء هذا الملف مع رئيس المجلس.
أُنجِز الإتفاق مع الأميركيين في آب الماضي، حينَ أعلنَ بري ذلك. وهذا الإتفاق «موجود في الدرج» كما يقول، و«لا يُمكن كشف تفاصيله من دون أن تكون جميع الأطراف جاهزة للإعلان عنه، فربما يخرج طرف وينقض كل ما جاء فيه». يعتبر برّي أنه أدى واجبه «إلى آخر نفس عبرَ مقاومة كل الضغوط وفرض الآلية التي يُريدها لبنان للتفاوض، وحينَ يُعلنَ عن ذلِك رسمياً سيتُم تسليم نسخة عنه إلى رئيس الجمهورية والحكومة وقيادة الجيش، التي سيكون لزاماً عليها تشكيل فريق من الضباط الذين سيمثلون لبنان على طاولة المفاوضات ومعهم فريق من الخبراء». ويلفُت إلى أن «الموضوع لم ينتهِ»، فهناك «معركة أخرى وهي استرجاع كامل حقول لبنان في البر والبحر».
المفاوضات مع أي جهة خارجية هي من الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية. ومن المتوقع ان يفوّض عون إلى قيادة الجيش إدارة التفاوض، على ان تقدّم تقاريرها إليه. ولا تستبعد مصادر معنية أن يوكل عون إلى لجنة وزارية متابعة التفاوض مع قيادة الجيش.
تؤكد المصادر اللبنانية أن «ما سيتُم التوصل اليه ليسَ اتفاق هدنة، إنما ترسيم للحدود يكرّس حقنا في المنطقة التي يراها العدو متنازعا عليها، وهو ما سينعكس ايجاباً على عمل الشركات التي أتت للتنقيب عن النفط. لأن ترسيم الحدود يعني تأمين المنطقة بشكل يتيح للشركات العمل في النقاط المحاذية للحدود من دون الشعور بالخطر. أما في حال بقاء الوضع كما هو عليه فذلك يعني أن الشركات ستبقى بعيدة عن الحدود ولن تغامر بالتنقيب في بلوكات حدودية». وفيما علمت «الأخبار» أن شينكر لم يحّدد أي موعِد حتى الآن للعودة الى بيروت، قالت المصادر إن المفاوضات ستبدأ فور الإعلان عن إتفاق الإطار. هل يحصل ذلك قبلَ الإنتخابات الأميركية؟ «قد يكون ترامب يريد ذلك، لكننا لا نفعلها من أجله بل نستفيد من حاجة الطرف الآخر الى الحل لفرض ما نريد وتحصيل المكاسب».

بري: لا يُمكن كشف تفاصيل الإتفاق من دون أن تكون جميع الأطراف جاهزة للإعلان


مصادر سياسية قريبة من الأميركيين ترى أن «الهدف الوحيد بالنسبة لإسرائيل من هذا الترسيم هو حفظ الأمن على الحدود البحرية، ولا علاقة له باستخراج الغاز والنفط». وأن ما كانت تسعى اليه هو اتفاق موسّع «سبق وأن حمله النائب الأميركي من أصل لبنان داريل عيسى الى كبار المسؤولين اللبنانيين عام 2018، يشمل تسوية عامة تتمثل بانسحاب العدو من بعض الأراضي المحتلة في شبعا وكفرشوبا على أن يقبل لبنان بالترسيم»، وهو ما اعتبرته المصادر «فخاً للبنان».
لكن مصادر أخرى تضع التوصل إلى اتفاق الإطار حالياً في إطار تقاطع المصالح بين الاطراف الثلاثة: لبنان يريد تثبيت حقوقه، والسماح لشركات التنقيب عن النفط والغاز بالعمل في المنطقة المحاذية للحدود الجنوبية، وهي منطقة واعدة بوجود مكامن كبيرة من الغاز الطبيعي فيها. العدو الإسرائيلي أيضاً يريد «نزع فتيل التوتر الامني» من البحر، والتنقيب قرب الحدود من دون أي خشية من اندلاع نزاع مع لبنان. أما الإدارة الأميركية، فتريد «صورة التفاوض»، لتقدّمها في الداخل الأميركي كواحد من إنجازات دونالد ترامب «التطبيعية» بين العرب و«إسرائيل». ولا يُستبعد أن ترى الولايات المتحدة في المفاوضات فرصة لفرض شروط مستقبلية على لبنان، ربطاً بأوضاعه الاقتصادية المتردية.
بناءً على ذلك، التفاوض على الترسيم سيكون أصعب بكثير من التفاوض على الإطار، خارجياً وداخلياً. فـ«إسرائيل» لن تقبَل بسهولة التنازل للبنان عن حقه في المنطقة الإقتصادية من دون تحصيل أثمان أمنية وسياسية، فيما ستدعمها الولايات المتحدة من خلال زيادة الضغط على لبنان وفرض العقوبات وإطباق الحصار. والأخطر أن بإمكان هذا الأمر أن ينسحِب على الداخل فيخلق صراعاً حول الملف، بحيث تؤثر العقوبات أو التهديد بها على مكونات سياسية فتضغط في اتجاه تقديم التنازلات من أجل التسريع في الحلّ، ومسايرة واشنطن لحماية نفسها من مكتب الخزانة الأميركية. إذا لم يخلف الأميركيون بوعدهم هذه المرة، فإن «المعركة ستكون قد بدأت الآن»، وفق ما قال رئيس المجلس لـ«الأخبار»، لكن لا مع العدو حصراً، بل في الداخل اللبناني أيضاً.

ضغوط للمشاركة في «منتدى غاز شرق المتوسط»
طرَح إنشاء «منتدى شرق المتوسط للغاز» مخاوف في لبنان، خاصة بعد الاتفاق على إقامة سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء. المنتدى (مقره العاصمة المصرية)، الذي يضمّ 7 دول هي مصر والاردن و«إسرائيل» وإيطاليا وقبرص واليونان والسلطة الفلسطينية، غابت الأخيرة عن التوقيع على وثيقة تحويله إلى منظمة إقليمية يوم الثلاثاء الفائت.
وفي ظل وفرة الغاز في المتوسط وصعوبة تصديره لندرة الأسواق وارتفاع كلفة الإنتاج، تتساءل جهات لبنانية عن الاستراتيجية التي سيعتمدها لبنان من خارج هذا المنتدى، خاصة أن ضغوطاً فرنسية وأميركية تُمارس على بيروت للانضمام إليه. فقد سبق لمسؤولين في شركة «توتال» الفرنسية أن اعتبروا أن خيارات لبنان ستكون ضيقة في حال لم ينضم الى المنتدى (تردد أن فرنسا تريد الانضمام إليه، فيما تشارك الولايات المتحدة الاميركية في اجتماعاته بصفة مراقب). كما أن مسؤولين أميركيين فاتحوا مسؤولين لبنانيين بشأن الامر نفسه. لكن مصادر سياسية بارزة تؤكد أن «لبنان لا يمكن أن ينضم اليه بسبب وجود «إسرائيل» فيه».

ميسم رزق – الأخبار