لما كانت حرية الإعلام تشكل احدى ركائز الدولة الديمقراطية وأحدي أبرز ما نصت عليه المواثيق الدولية فقد اتت مقدمة الدستور اللبناني (الفقرة ج) لتؤكد على هذه الحرية التي لا يحدها سوى احكام الدستور والقوانين النافذة، وهكذا وبعيدا عن هذين القيدين تصبح ممارسة حرية الإعلام قولا وكتابة غير محظورة!
ولما كانت العلاقة بين الاعلام والسلطة القضائية تطرح معادلة تتمثل بمحاولة الاعلام الدائمة التفتيش عن المعطيات والحقائق التي تهم الجمهور، مقابل محافظة القضاء على تلك المعطيات او بعضها وذلك تحقيقا لسير العدالة. من هنا فقد كان من الطبيعي ان نجد الاعلام يستنكر صعوبة الحصول على المعلومات التي يجب على الجمهور تكوين الرأي حولها.
اما اليوم، فما يحدث هو قلب المعادلة تلك بشكل جزئي، اي ان الوصول الى المعلومات ما زال وبالنسبة للإعلام امرا في غاية الصعوبة ولكن باتت بعض المعطيات التي يفترض ان تتم مناقشتها داخل السلطة القضائية عرضة للبناء عليها مما جعل الرأي المكون لدى الجمهور متأرجحا بين هذه الجهة من الاعلام او تلك وبالتالي فقد شكل ذلك نوعا من خلق ازمات معينة!
ان الاعلام اللبناني اليوم وبصوره المختلفة نراه موزعا على الجهات السياسية او الطوائف الى حد ما وإذا جاز التعبيرر. انه اعلام يحاول بشكل دؤوب الحصول على المعلومات التي تهم الجمهور والتي سيقوم هذا الاخير ببناء آراءه حولها وذلك تقييما منه للأوضاع القائمة.
انه حق للإعلام لأنه ملتصق بطبيعة عمله وهو حق للمواطن لناحية ضرورة معرفته لحقيقة ما سوف تؤول اليه الظروف مما يؤثر على اوضاعه العامة!
ولا يشكل تناقل المعلومات او المعطيات عبر وسائل الاعلام، لا سيما تلك المرئية والمسموعة مشكلة، حينما يتم التحقق من مصدرها وحقيقته، انما المشكلة تبرز عندما تشكل هذه المعطيات
اشارة الى وقوع فعل جرمي مقابل قيام المؤسسات الاعلامية بالبناء عليها رغم امكانية ان تكون هذه المعطيات كافية لتحليل امكانية توفر ركن من اركان الجريمة مما يعني انعقاد اختصاص القضاء لهذه الجهة!
لا شك ان الاعلام والسلطة القضائية، كلاهما يسير في خط التفتيش عن الوقائع وتحليلها وبالتالي البناء عليها. الاعلام يحلل ويضع النتائج ويوجهها للجمهور الذي بدوره يمكنه قول كلمته بشتى انواع الاساليب كالانتخابات مثلا او غير ذلك من الامور. اما القضاء فانه يبني على المعطيات المؤكدة لديه احكاما تتراوح بين الادانة والتبرئة!
وفي هذا الإطار تطرح اشكاليتين: الاولى تتعلق كما أشرنا في السابق بصعوبة حصول الاعلاميين على المعلومات لا سيما عندما يتعلق الامر بنزاع قانوني يهم الجمهور. اما الاشكالية الثانية فنجدها في عدم مسؤولية بعض الاعلاميين لناحية التعاطي مع معطيات هي بطبيعتها تحتاج ان يقول القضاء كلمة الفصل فيها!
ولما كانت الاشكالية الاولى تتمثل بصعوبة وصول الاعلاميين الى المعلومات خاصة عندما يتعلق الامر بنزاع امام القضاء، يمكن حلها عن طريق تعاون القضاء من جهة في بعض الامور ووجود قانون يحقق هدف الوصول الى المعلومات وكل ذلك وفق ضوابط ووفق شروط لعل أبرزها تمتع الاعلاميين بالشفافية المطلوبة!
الا ان الاشكالية الثانية تبدو في غاية الصعوبة، وهي كثيرا ما تثار في البرامج السياسية الحوارية والتي غالبا ما تشهد زخما من الحوار الحاد في نبرته وحدته خاصة عندما تكون مترافقة مع ظروف تمر بها البلاد. ان ذلك وحتى الآن يبدو طبيعيا وهذا ما اكده قرار محكمة التمييز رقم5تاريخ 12-1-2016 طالما لا يقع تحت مظلة ما يحظره القانون، حسب ما جاء في القرار.
اما غير الطبيعي وغير المقبول فانه يكمن في عدم اكتفاء بعض وسائل الاعلام بتقديم معطيات يمكنها بطبيعتها تحريك القضاء، انما قيامها بالبناء عليها .واستتباعا لذلك قد تقوم بعض وسائل الاعلام بالرد عليها وبمعطيات اخرى ،مما يحول كلا الطرفين الى طرف يمثل صفة المدعي واخر يمثل صفة المدعى عليه وكل ذلك استباقا للقضاء ،وفي ظل وجود حقيقة دامغة بأن وسائل الاعلام موزعة طائفيا ويمثل جهات سياسية معينة مما يجعل الجمهور المتلقي عرضة للتأرجح بين التحليلات والوقائع ومدى صحتها هذا ما لم ينتقل التأرجح في المواقف الى الشارع ويخلق ازمات معينة!!!
برز هذا الامر في الآونة الاخيرة حينما بدأت التحليلات تتمحور حول امكانية وقوع حرب اهلية في لبنان وهو امر مستبعد طالما ان المعطيات التي يفترض ان تتوفر في اية حرب اهلية غير موجودة كان يكون هناك دعم خارجي للأطراف المتنازعة وغير ذلك من الشروط الضرورية حسب ما تؤكد التجارب والتحليلات السياسية العلمية لإطلاق هكذا وصف.
من هنا فإن الاعلامي الذي يتلقى هكذا معطيات ان يدقق بنفسه او بمساعدة القانونيين واهل الاختصاص قبل ان ينساق نحو إطلاق احكام مسبقة من شأنها خلق ازمة اقلها نفسية متمثلة بقلق المواطن او اقتصادية تترجم احيانا من خلال تهافت المواطن على ادخار ما يمكن ادخاره خشية وقوع ازمة معينة وكل ذلك في ظل اوضاع اقتصادية. ونفسية واجتماعية غير مشجعة!!!
ان طرح التحليلات في حالات معينة على الجمهور قد يكون في غاية الخطورة من هنا اهمية ان يتمتع الاعلامي بالثقافة القانونية الواسعة وان يستعين عند الحاجة بخبراء قانونيين بوسعهم اعطاء الدواء الشافي للكثير من التساؤلات!
ن هنا وفي الخلاصة يمكن القول انه وانطلاقا من دور الاعلام التثقيفي لناحية ايصال المعلومات والافكار والتحليلات الى الجمهور اي المجتمع بشرائحه كافة ودوره بالتالي في تكوين الرأي العام كما ودوره الضروري في ادارة الازمات ومحاولة تفادي الوقوع في ازمات نحن بغنى عنها فان السياسة الاعلامية اليوم مدعوة لاتخاذ الخطوات التالية:
-اشتراط نوع من الثقافة القانونية التي يطلبها العمل الاعلامي مما يستتبع ضرورة ادخال مواد قانونية يحتاجها الاعلامي لكي يكون على بينة من الطريقة الني يجب اتباعها في تحليل المعطيات.
-عقد مؤتمرات تحث وسائل الاعلام على دورها التثقيفي والاساسي في ادارة الازمات رغم كل التعدد في الاتجاهات التي تمثلها هذه الوسائل.
اما الاهم من هذا كله، فإنه يتمثل بضرورة وجودميثاق شرف موقع من كل المؤسسات الاعلامية تتعهد من خلاله بعدم إثارة النعراتالطائفية او اثارة المخاوف لدى المواطن، اذ ان الاولوية التي يجب ان تضعهاالمؤسسات الاعلامية نصب اعينها فهي تتمثل بضرورة الحفاظ على استقرار المجتمعوتماسكه. اما التنافس الضروري فيما بينها فليكن مرسوما وفق تلك الاطر وليسخارجها!!