ملفات "إبستين": ترامب يستجدي إتفاقاً مع إيران قبل المقصلة القانونية./ بقلم المحامي سميح بركات

تتسارع الخطى الإجرائية في أروقة العدالة الأمريكية والساحة الدولية بصورة تكشف عن ترابط عضوي بين الأزمات الجنائية الداخلية والمناورات العسكرية الخارجية، حيث يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه محاصراً في "كماشة" قانونية تتجاوز مجرد الصراع السياسي لتلامس جوهر المسؤولية الجنائية الفردية. ففي الوقت الذي يفرض فيه ترامب "إنذاراً نهائياً" مدته خمسة عشر يوماً على إيران لإبرام اتفاق نووي، تبرز إلى السطح معطيات جنائية بالغة الخطورة تتعلق بملفات "جيفري إبستين" وقضايا استغلال القاصرات، وهي الملفات التي تحولت قانوناً إلى أدلة اتهام محتملة تندرج تحت توصيف "المشاركة في مؤامرة إجرامية".
إن الشبهات المحيطة بوزيرة العدل والمدعية العامة "بام بوندي" المعينة من قبل ترامب والتي تولت الدفاع عنه كمحامية في ملفات سابقة، لا تتوقف عند حدود الانحياز السياسي، بل تمتد لتشمل التكييف الجنائي لجرم "الحنث باليمين" (Perjury) وإعاقة سير العدالة (Obstruction of Justice)، وذلك عبر تقديم إفادات مضللة عند استجوابها أمام الكونغرس قبل أيام وتوظيف ملفات قضائية سرية لابتزاز الخصوم الديمقراطيين بدلاً من إنفاذ القانون.
إن هذا التسييس الفج للمرفق القضائي يضع الإدارة أمام مأزق دستوري، حيث تفقد "الحصانة الرئاسية" فاعليتها أمام جرائم ذات طبيعة جنائية شخصية سبقت أو تزامنت مع تولي المنصب، خاصة إذا ثبت استخدام السلطة التنفيذية للتستر على أدلة إدانة أو تضليل جهات التحقيق التشريعية.
هذا التخبط الداخلي يمثل المحرك الأساسي لسياسة "الهروب إلى الأمام"، حيث يسعى ترامب لانتزاع "اتفاق سياسي خاطف" مع طهران ليقدمه للرأي العام كإنجاز تاريخي يطغى على ضجيج التحقيقات الجنائية، وهو ما يفسر حالة "الزحف" الدبلوماسي لتأمين أي انتصار شكلي يرمم شرعيته المتآكلة قبل انفجار الصواعق القانونية في واشنطن. بيد أن هذا الاندفاع يصطدم بحائط قانوني دولي، فالموقف البريطاني بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر الذي قيد استخدام القواعد العسكرية الإستراتيجية كقاعدة "دييغو غارسيا" و"فيرفورد"، لا ينطلق من اعتبارات سياسية فحسب، بل من خشية قانونية دولية من التورط في "حروب غير شرعية" تفتقر للتفويض الأممي وتخدم أجندات شخصية لرئيس مأزوم قضائياً. إن هذا التمنع البريطاني، معززاً باحتمالية صدور "قرار تقييد صلاحيات الحرب" من الكونغرس بمباركة من أجنحة جمهورية بدأت تخشى الغرق في مستنقع "إبستين"، يعكس إدراكاً متزايداً بأن مهلة الـ 15 يوماً ليست إلا محاولة قانونية يائسة لتأخير مفاعيل "المقصلة القضائية". وبناءً عليه، فإن المشهد الراهن ليس مجرد صراع إرادات بين واشنطن وطهران، بل هو صراع وجودي في الولايات المتحدة الأميركية بين سلطة تنفيذية تحاول القفز فوق القوانين الجنائية، وسلطات قضائية وتشريعية بدأت في تفعيل أدوات المحاسبة التي قد تطيح بأسوار البيت الأبيض قبل انقضاء المهلة الممنوحة لإيران.