الياس الديري – النهار
من زمان، من عشرات السنين، وأنا متابعٌ في لبنان، وللحكم، ولكبار المسؤولين، وللعهود، وللرجالات والرؤساء الذين تميَّز بينهم حتى اليوم، ومن دون غمط أحدٍ منهم حقَّه، الرئيس فؤاد شهاب. وقد سبق لي أن سجّلت كتابة عَبر “النهار”، وعلى صفحات ملفاتها المميَّزة، كما أتبعتها بكتاب من سبعمئة صفحة وأكثر، بعنوان: “مَن يصنع الرئيس”…
ومن زمان، من سنين، جمعتني المصادفة، التي لا تُنسى، بالطلَّة الأولى للشاب ذي الابتسامة المميّزة الذي كان في عراك مع تمارينه الأولى كمحام ينظر الى أبعاد أخرى أسفرت في ما بعد عن الرجل السريع الذكاء الرئيس نبيه بري، وفي “السمرلند”.
للتوِّ، ومن دون أيّ تردّد كان المحامي الشاب قد سلك بمهارة وهدوء المعترك، أو المعتركات السياسيَّة التي طال أمدها وطال صبر بري عليها ومعها.
منذ ذلك التاريخ الى يومنا هذا والى عمر يطول في ساحة ملأها بوجود فعَّال، وحضور جذب اليه والى مجلسه كبار المسؤولين والوزراء والنواب والطامحين. ولا يزال هو نفسه مع ابتسامته، وبكل ما يتميّز به من صفات راقية وفعّالة وذكيَّة وجذّابة، وليس بين مَنْ يقصده بحثاً عن حل أو مساعدة إلّا من عادَ ليقول لمن حوله: شو هـَ النبيه بري. ثم: شو هـَ الرئيس بري.
من المناسب والضروري، وفي وقته، أن يواصل رجل الساعة وكل الساعات، وكل الأزمات، “مهمة الإنقاذ” التي وضعها أمامه كعادته من غير أن ينتظر خيارات غير مجدية، وباعتباره يدرك سلفاً من أين وكيف تأتي الأزمات، وبأية وسيلة يُعَالج المؤمنون؟
انه اليوم، وبالاجماع سياسياً ووطنياً وشعبياً، رجل لبنان. هو المرجع. هو المنقذ. هو الذي يحجُّ الى مجلسه كبار القوم، وكبار المسؤولين، وكبار أصدقاء لبنان الآتون من بعيد بحثاً عن وسيلة تساعد في عملية انقاذ وطن كان وطناً للنجوم، ووطناً للنموذج الديموقراطي على مستوى الشرق الأوسط، أو العالم العربي ومَن حوله
وحكاية التوجه الى “عين التينة” في الأزمات بصورة خاصة وصلت مفاعيلها وتأثيراتها الى الدول الكبرى وكبار مسؤوليها. اينما كان اللبناني المهاجر أو المسافر، لا بدَّ أن يجد من يسأله: هل تعرف الرئيس نبيه بري؟ أو حدثني عن الرئيس بري. أو كيف يجمع الرئيس بري النار والماء أحياناً، وتنجح محاولته؟
نادرة شخصيَّة الرئيس بري. ولو يدري اللبنانيّون أنفسهم بكل ما فعل وحقّق وأنجز هذا الرجل الهادئ القوي المخلص الصادق الملتزم، والذي يعرف مصلحة لبنان من أين تبدأ، مثلما يتقن فنون ابتداع المساواة والمصالحات والاتفاقات، سواءً على مستوى الوزراء والنواب، أو عند انكسار صلة الوصول بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة مثلاً. في مثل هذه الحالات ليس في الميدان سوى نبيه بري.
حقاً ما قيل ذات يوم نقلاً عن مسؤول كبير: لو كانت للجدران آذان وألسنة تحكي، لكانت روت مجلَّدات رائعة عن انجازات الرئيس بري، وعن عمليات الانقاذ التي نظمها وحالت دون خراب البيت اللبناني فوق رؤوس أهله.
بهدوءٍ وتروّْ وصلابة واقتدار، نجده اليوم حاضراً نهاراً وليلاً، صباحاً ومساءً، ونجدُ في عين التينة ابتسامة رجل من الصعب جداً أن يتكرّر، وقد يكون من المستحيل أن يشهد لبنان في محنه وكل حالات الزمان عليه رجلاً ومرجعاً وعقلاً خلّاقاً على غرار النبيه النادر.
المصدر:
النهار