“النهار”: توترات أهل السلطة تعاكس الجهود لتطويق الأزمة

كتبت صحيفة “النهار ” تقول : ما كادت مناخات التهدئة تنعكس تبريداً وانحساراً للحمى المالية بحيث بدأت العودة الى الوضع الطبيعي في السوق ‏المالية منذ مطلع الاسبوع، حتى تجددت التجاذبات والمعارك الضمنية بين اهل الحكم والحكومة والسلطة أنفسهم ‏لتتسبب بمزيد من المناخات السلبية وتردداتها السيئة على الجهود المبذولة لاحتواء الازمة. ولعل أغرب ما طبع المشهد ‏السياسي في الايام الاخيرة انه في حين ينصرف رئيس الوزراء سعد الحريري الى عقد جلسات ماراتونية لمجلس ‏الوزراء من جهة واللجان الوزارية المتعددة الاختصاص ولا سيما منها لجنة الاصلاحات الاقتصادية التي تتسم ‏اجتماعاتها باهمية كبيرة، تعرضت الحكومة لانتقادات لافتة من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون رسمت علامات ‏استفهام غامضة حيال هذه الخطوة كما حيال المشهد الذي يفترض ان يظهر عبره مجلس الوزراء اليوم في جلسته ‏الأولى بعد الازمة الاخيرة برئاسة عون‎.‎
‎ ‎
والواقع ان الكلام الذي نقله بعض الصحف أمس عن الرئيس عون لم يسقط بردا وسلاما على معظم مكونات الحكومة ‏وان يكن الجميع لزموا الصمت وامتنعوا عن التعليق عليه. فما نقل في مكان عن رئيس الجمهورية من اعتباره ‏الحكومة أشبه ما تكون غائبة عن الوعي، بدا متناقضاً في مكان آخرمع اعتبار الرئيس عون الحكومة مستهدفة شأن ‏رئيسها. كما ان كلامه عن استهداف رئيس الجمهورية بشبه مؤامرة خلال وجوده في نيويورك، بدا في جانب منه ‏موجهاً الى قوى محلية مشاركة في الحكومة، الامر الذي ينذر بمزيد من الاهتزازات داخلها في المرحلة الطالعة‎.‎
‎ ‎
لذا توقفت أوساط سياسية معنية عند “التصويب” الذي وزعته أوساط القصر الجمهوري أمس للكلام المنقول عن ‏الرئيس عون في شأن الحكومة والذي أكد أن علاقة الاخير بالحريري جيدة ومؤسساتية وان بعبدا متمسكة بالحكومة ‏الحالية، والذي بدا كاستدراك للاجواء السلبية التي اشاعها ذلك الكلام، ورأت ان جلسة مجلس الوزراء اليوم في قصر ‏بعبدا ستشكل المقياس العملي لقدرة السلطة المتآكلة على توحيد كلمتها واستبعاد التباينات حيال استراتيجية انقاذية للبلد ‏علماً ان لا ملامح تفاؤل بامكان تحقيق هذا الانجاز، بينما تتضح تباعاً معالم التفسخات السياسية التي تصيب الحكومة ‏والسلطة، وستكون لرئيس الجمهورية كلمة في مستهل الجلسة يتناول فيها التطورات الاخيرة وموقفه منها‎.‎
‎ ‎
ورأى رئيس مجلس النواب نبيه بري في “لقاء الاربعاء” النيابي أن “الطريق معروفة ومفتوحة أمام المعالجة الحقيقية ‏لإنقاذ البلد”. وبعدما ذكّر بأن “هناك اجماعاً حصل في لقاء بعبدا الاقتصادي على 22 بنداً من أصل 49 بنداً”، تساءل ‏‏”على ماذا الاختلاف ولماذا البحث من جديد؟”، ودعا الى تشكيل هيئة طوارئ اقتصادية لمتابعة الموضوع. كما ‏تساءل بري “لماذا المماطلة والتأخير في تفعيل الهيئة الناظمة لقطاع النفط. وتطرق الى قضايا أخرى ذات علاقة ‏بالمواضيع الاجتماعية والحياتية التي تطاول جميع اللبنانيين، معلناً انه سوف يحدد جلسة تشريعية في 15 تشرين ‏الأول الجاري من اجل انتخاب أمناء السر واعضاء اللجان‎.‎
في غضون ذلك نقلت وكالة “رويترز” عن مصدر مطلع أمس ان “لبنان اختار مصارف “بلوم” و”ستاندارد ‏تشارترد” و”سيتي بنك” و”إس.جي.بي.إل” لإدارة إصدار سندات دولية جديد في حدود ملياري دولار على رغم أن ‏التفويض ما زال قيد النقاش‎.‎
‎ ‎
نداء اهل الانتاج
‎ ‎
وسجل في اطار تداعيات الازمة الاخيرة اجتماع نادر في مقر غرفة بيروت وجبل لبنان بين الهيئات الاقتصادية ‏اللبنانية برئاسة الوزير محمد شقير، وهيئة مكتب الاتحاد العمالي العام برئاسة رئيس الاتحاد بالإنابة حسن فقيه، في ‏حضور رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد وانتهى الى اصدار بيان مشترك تلاه الأمين العام للهيئات ‏الاقتصادية نقولا شماس شدد على جملة نقاط ومطالب أبرزها اعتبار “اليد العاملة اللبنانية والمؤسسات الخاصة عمود ‏الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وأي تفريط بهما هو تفريط بالأمنين الاقتصادي والاجتماعي للبلاد ” وان “سلة ‏الاقتراحات لعلاج الأزمة يجب أن تتضمن إجراءات تعنى بشكل أساسي بتحسين ظروف المؤسسات التي تبقى صمام ‏الأمان للاقتصاد الوطني ومالية الدولة وديمومة عمل العمال “. ولاحظ ان “زيادة الأعباء الضريبية بهدف زيادة ‏مداخيل الخزينة ليست الحل، إنما باتت في الوقت الراهن أحد أبرز مسبّبات تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمالية،وعلى ‏السلطة أن تحزم أمرها وتباشر فوراً اتخاذ إجراءات إصلاحية جذرية، يأتي في طليعتها خفض حجم القطاع العام ‏وإعادة هيكلة نفقاته وإصلاح قطاع الكهرباء، والضرب بيد من حديد لوقف التهريب والتهرب الضريبي والاقتصاد ‏غير الشرعي والفساد، واتخاذ الإجراءات المطلوبة والكفيلة بالبدء بتنفيذ مشاريع مؤتمر “سيدر” فوراً‎”.‎
‎ ‎
وكرر البيان ان “الحفاظ على ديمومة العمل للعمال اللبنانيين، يجب أن تكون من أولى الأولويات التي ينبغي العمل ‏عليها في الفترة الراهنة ” ورفض “استبدال اليد العاملة اللبنانية بعمالة من جنسيات أخرى تحت أي حجة”. كما طالب ‏‏”بتحديد القطاعات التي لا تلبي اليد العاملة اللبنانية الطلب فيها، والسماح باستخدام جزئي لعمالة من جنسيات أخرى ‏للعمل فيها‎”.‎
‎ ‎
الاصلاحات
‎ ‎
في غضون ذلك، بدا أنَّ الضغط الذي مارسه وزراء “القوات اللبنانية” على الحكومة لبتّ الإصلاحات الاقتصادية ‏والمالية قبل استكمال نقاشات الموازنة، بدأ يؤتي ثماره، اذ اتسم اجتماع اللجنة المكلّفة درسها مساء أمس برئاسة ‏الرئيس الحريري، وفقاً لمصادر “القوات”، بالجدّية. وأشاد الوزير كميل أبو سليمان بالعرض الذي قُدِّم عن الجمارك، ‏وطالب بتوزيع قانون مكافحة التهرّب الجمركي الذي تمّ إعداده على الوزراء لدرسه. فردّ عليه وزير المال علي حسن ‏خليل بأنّه يحتاج الى ستة أشهر ليُصبح قيد التنفيذ، ممّا أثار اعتراض أبو سليمان مُطالباً بوجوب تقصير المهلة، فعاد ‏وأيّده وزير المال طالباً من أعضاء المجلس الأعلى أخذ هذا الطلب في الاعتبار‎.‎
‎ ‎
وكانت مداخلة للوزير وائل ابو فاعور انتقد فيها مزايدات البعض من دون مسؤولية، فأكّد أبو سليمان أنّها الجلسة ‏الأولى التي تُناقش فيها المسائل بكلّ جدّية وإيجابيّة، ورأى أنّ ما فعلته “القوات” بالضغط على الحكومة كان ضرورياً ‏لأنّ الأخيرة لا تملك “ترف الوقت”. فعاد أبو فاعور وأكّد أنّه لم يقصد الوزير القواتي بمداخلته. واوضح نائب رئيس ‏الوزراء غسان حاصباني خلال الجلسة أنّ اعتراض “القوات” على الموازنة هو لعدم تزامنها مع خطوات إصلاحيّة، ‏كما أنَّه يجب نقاش العديد من الأرقام التي تكمن في صميم الموازنة‎.‎
‎ ‎
ووصف الوزير علي حسن خليل الاجتماع المطول للجنة بانه كان “مفيداً جداً في جو إيجابي للغاية، وعرضنا فيه ‏كوزارة مال مشروع قانون الجمارك الجديد، والذي هو ثمرة نقاش لسنوات أنتج هذا المشروع. كان هناك تفصيل حول ‏معظم التوجهات والمواد الأساسية الموجودة فيه، التي تُحدث تغييراً جوهرياً وبنيوياً في الجمارك والإجراءات ‏الجمركية، وفي أثرها الكبير على واردات الدولة وتسهيل الأعمال التجارية وحياة الناس”. وأضاف “تم توزيع ‏المشروع على اللجنة الوزارية، وسنأخذ وقتا غير طويل لدراسة هذا القانون ورفعه إلى مجلس الوزراء من أجل ‏إقراره، وفق الإجازة للحكومة بالتشريع الجمركي، وبالتالي لن نحتاج إلى مجلس النواب ليصدر قانونا، فالحكومة ‏تستطيع أن تجري هذا التعديل الكبير على قانون الجمارك، وبذلك نكون قد أنجزنا واحدة من أبرز النقاط التي تمت ‏المطالبة بها في مؤتمر “سيدر”، وهي أحد الإصلاحات الأساسية التي يُجمع عليها كل الأطراف السياسيين والأوراق ‏السياسية الأخرى”. وخلص الى انه “تم إحراز تقدم كبير في الموازنة، إلى حد أنها باتت شبه منتهية على مستوى ‏الأرقام. هناك مراجعة لبعض المواد، وأساساً المواد قليلة جداً فيها، وهي أقل من عشر مواد جديدة، مقابل 94 مادة في ‏موازنة العام 2019. والكتل التي تقول بضرورة أن تسير الإصلاحات بالتوازي مع الموازنة، فإن هذا أمر مشروع ‏وطبيعي‎”.‎