أربعون يوماً انقضت من عمر الثورة اليوم، دون أن تلوح في الافق اي بشائر حلحلة بعد، أو يتصاعد الدخان الابيض من قصر بعبدا، اعلاناً عن الاتفاق على الحكومة المقبلة ومطلقة صافرة الانطلاق للاستشارات النيابية وعملية التكليف، وسط استمرار الرهان والتعويل على امكان اقناع "بيت الوسط" بتأليف حكومة تكنو- سياسية.
في هذا الوقت يصل موفد بريطاني اليوم الى بيروت حيث من المتوقع ان يلتقي كلاً من الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري، على ان يصل الاربعاء موفد روسي لحل الأزمة السياسية الراهنة.
الأمور تراوح مكانها
اذاً تستمر المراوحة في الملف الحكومي، ما يوحي بأن " لبنان بات على طريق الافيال" بين المحورين الاميركي من جهة، والروسي الايراني السوري من جهة أخرى، كما قال لـ"النهار" مصدر سياسي، مبدياً تخوفه من "بقاء لبنان طويلاً على رصيف الانتظار، اذ ان النظرة الى الحل تختلف بين الحلفاء واشنطن وباريس ولندن، وتتباعد بالطبع مع ايران وسوريا ومعهما حزب الله". وفي رأيه ان اتهام الحراك بالارتباط بقوى خارجية، "يوحي بان السلطة لا تريد التنازل بل تبحث عن سبل لشيطنة هذا الحراك ومحاصرته، الامر لا يبشر بالخير الذي في توفير حلول قريبة والزام الشارع القبول بها".
وكانت الاتصالات السياسية لم تتوقف خلال الايام الثلاثة الماضية وبعد عرض عيد الاستقلال، لا بين الاطراف المعنيين في الداخل، ولا من الجهات المعنية بالوضع اللبناني في الخارج، حيث بات الحل بحكم التدويل بعد عجز الاطراف اللبنانية عن التوافق على حل للأزمة.
وأشارت هذه المصادر إلى وجود اتصالات لإقناع الرئيس سعد الحريري بقبول حكومة تكنو- سياسية مطعّمة بعدد قليل من السياسيين وتضم ممثلين عن الحراك الشعبي مقبولين من الحراك نفسه اولاً، نظراً لتركيبة لبنان السياسية التي لا تحتمل إبعاد اي طرف سياسي عن مركز القرار، ونظراً لطبيعة الملفات التي ستناقشها الحكومة على المستويات السياسية والاصلاحية والاقتصادية– المالية والانمائية، والتي سبق وكانت عرضة للتجاذب بين القوى السياسية قبل الاتفاق على السير بها في اخر ايام الحكومة المستقيلة، وهي لا زالت بحاجة لمناقشة الآليات التنفيذية لها. اضافة الى ان وضع المنطقة الساخن من حول لبنان يفرض وجود طاقم سياسي يتابع ويعالج ويتخذ المواقف اللازمة بلا تردد ومراجعة المرجعيات عندكل كبيرة وصغيرة.
وفي الاطار الحكومي، تحدثت مصادر متابعة الى "النهار" عن مساع مستمرة على خط بعبدا – عين التينة – "بيت الوسط" - حارة حريك، من دون بلوغ اي نتيجة ايجابية. وأفادت المصادر ان اجتماعاً بعيداً من الاضواء انعقد الجمعة الماضي، طرح خلاله اسم الوزير السابق بهيج طبارة بديلا من الرئيس سعد الحريري اذا استمر الاخير على رفضه رئاسة حكومة تكنوسياسية، وعلم ان "الخليلين" (الوزير علي حسن خليل والمعاون السياسي علي الخليل) التقيا الاخير وبحثا معه في امكان قبوله المهمة، وانه استمهلهما. لكن المصادر المتابعة توقعت ان الطرح يسقط في السياسة قبل الشارع كما حصل مع تجربة الوزير السابق محمد الصفدي.
وأبلغ مصدر وزاري "النهار" ان الاتصالات لم تتقدم وان الرهان يجري على قبول الرئيس الحريري مجددا برئاسة حكومة تكنوسياسية وان طال الامر بعض الوقت، وان باريس تعمل على دفع هذا الخيار قدماً، خوفاً من انزلاق أمني، وأكثر تجنباً لانهيار اقتصادي. وأكد المصدر ان خيارات الرئيس عون باتت محدودة بين "اصرار حزب الله وأمل على تولي الحريري شخصياً الرئاسة الثالثة واصرار الاخير على شروط محددة يرفضها الثنائي الشيعي" وهو ما صرح به أيضاً النائب سليم عون.
وتأكيداً على استمرار المراوحة القائمة في عملية التكليف والتأليف، نفت مصادر مقربة من قصر بعبدا لـ"نداء الوطن" حصول أي تطورات في الموضوع الحكومي، معيدةً رمي الكرة في ملعب "بيت الوسط" عبر حديثها عن انتظار رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري لحسم موقفه إما بالاعتذار عن عدم قبوله التكليف بتشكيل حكومة "تكنو – سياسية" أو عبر تسمية شخصية تحظى بموافقة الأفرقاء لتولي هذه المهمة مع ترجمة دعمه للشخصية التي سيسميها لرئاسة الحكومة بالمشاركة في التشكيلة المرتقبة.
وبينما ترفض مصادر القصر الجمهوري التعليق على مسألة انعقاد مجموعة الدعم الدولية للبنانفي باريس باعتبار أنّ "دوائر القصر لم تتبلغ أي شيء حاسم ورسمي من هذا القبيل"، كشفت مصادر رفيعة لـ"نداء الوطن" عن زيارة مرتقبة سيقوم بها موفد بريطاني إلى بيروت خلال الساعات المقبلة للقاء المسؤولين اللبنانيين، موضحةً أنّ هذه الزيارة تأتي بهدف "الاطلاع عن كثب على مجريات الأحداث لرسم صورة أوضح حول الملف اللبناني ومساعدة لندن على تحديد موقفها إزاء المشاورات الدولية الجارية لبحث إمكانية عقد مؤتمر دولي لمساعدة لبنان".
عون لن يبقى مكتوف الأيدي
وسط هذه الأجواء، علمت "اللواء" ان هناك اجتماعات مكثفة يشهدها قصر بعبدا مع السفراء الأجانب والموفدين وان مور الذي يصل اليوم يوازي فارنو اهمية وموقعا في المملكة البريطانية ويتوقع ان يكون الحديث معمقا.
واعتبرت المصادر ان رئيس الجمهورية ليس بإمكانه ان يبقى مكتوف الايدي.
ورأت ان الخوف من الصراع لا سمح الله يبرر اخذ الحيطة ولكن لا يبرر الاحجام عن اللجوء الى المؤسسات والآليات الدستورية وقد يتظهر هذا الرأي في الأيام المقبلة وقالت انه ليس المقصود بذلك حكومة مواجهةِ.
الحريري على موقفه
في المقابل، فالت صحيفة "الأخبار" ان رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري عاد الى تعطيل أي مبادرة لا تضعه في موقع السلطة مجدداً، وبشروط يستحيل قبول أي طرف سياسي بها سوى أنها تخدم مبتغاه: "أنا أو لا أحد". ومن أبرز هذه الشروط طلبه صلاحيات تشريعية استثنائية للحكومة حتى تقوم وحدها بدور المجلس النيابي والوزاري في آن، على أن تكون أولى مهماتها وضع قانون انتخابي جديد يمهد لانتخابات نيابية مبكرة. أما التمثيل الوزاري للأحزاب السياسية في الحكومة الاستثنائية، فيخضع لشرط الحريري بتسمية وجوه غير مستفزة، في مقابل تسميته للوزراء التكنوقراط بنفسه. تضييع الحريري الوقت في ظل الأزمة التي تعيشها البلاد ساهم في حرق المزيد من الأسماء المطروحة لرئاسة الحكومة كسمير الجسر وبهيج طبارة.
مور في بيروت اليوم
ويزور بيروت اليوم المدير العام للشؤون السياسية في وزارة الخارجية البريطانية ريتشارد مور، وهو خبير في شؤون المنطقة وتشعباتها. ويلتقي الرؤساء الثلاثة في مهمة تبدو ايضا استطلاعية اكثر مما تحمل مبادرة جدية، لكنها تؤكد الاهتمام الاوروبي بالشأن اللبناني والاصرار على متابعته.
وسبق وصول الموفد البريطاني ريشارد مور اليوم الى بيروت في جولة استطلاعية مشابهة لجولة الموفد الفرنسي الأسبوع الماضي. ومور هو الرجل الثاني في الخارجية البريطانية وأحد أهم المفاوضين في الملف النووي الايراني. على جدول أعمال الموفد زيارة لكل من الرؤساء الثلاثة ليغادر بعدها. الا أن أهم ما يحمله، وفقا لمصادر دبلوماسية غربية لـ"الأخبار"، يرتكز حول ثلاث نقاط:
1- عدم اعتراض الرباعية الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وايطاليا والمانيا) على عدم عودة الحريري الى رئاسة الحكومة شرط ألا يستفز اسم رئيس الحكومة المقبل الساحة السنية في لبنان
2- لا وجود لأي ربط ما بين مسار "سيدر" والحريري
3- لا فيتو على مشاركة حزب الله في الحكومة
وتشير المصادر الدبلوماسية إلى أن الاوروبيين راغبون في ايجاد مخرج سريع للأزمة الحكومية نتيجة القلق من الوضع الاقتصادي وعطفا على تقارير تصل من قبل دبلوماسيين اوروبيين في بيروت بشأن المخاوف المتزايدة من انهيار الوضع المالي كليا. فضلا عن أن البريطانيين يستغلون هذه الأزمة لاعادة تفعيل العلاقات مع دول المشرق العربي، معوّلين على قدرتهم التأثيرية على الأميركيين التي تفوق قدرة الفرنسيين. وتتشارك بريطانيا والولايات المتحدة الخشية نفسها من تعاظم الدور الروسي في الساحة اللبنانية وتلقيهما مؤشرات جدية على محاولة الروس التأثير في بعض الملفات، مما يتطلب تحركا سريعا من قبلهما. غير أن البريطانيين يرون أن أي بحث في نزع سلاح حزب الله في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة "ضرب من الجنون" ويتوافقون مع الفرنسيين على أولوية معالجة الانهيار المالي و"تنفيذ الاصلاحات".
لبنان على طاولة مجلس الأمن
واليوم، تتجه الأنظار إلى نيويورك حيث سيكون لبنان حاضراً على طاولة مجلس الأمن من زاوية استعراض التقرير الدوري لتطبيقات القرار 1701، لا سيما وأنّ مصادر دبلوماسية مطلعة نقلت لـ"نداء الوطن" أنّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إضافةً إلى تضمين بيانه الخروقات التي سُجلت لتطبيقات الـ1701 وموضوع تواجد السلاح غير الشرعي في مناطق عمل قوات اليونيفل والخروقات الحدودية من الجانبين والتحديات التي تعترض آلية عمل هذه القوات، فإنه سيتطرق كذلك في إحاطته أمام أعضاء مجلس الأمن إلى الثورة المطلبية القائمة في لبنان منذ 17 تشرين الأول الفائت مستعرضاً أسبابها الشعبية وتعاطي السلطات معها وانعكاسات ذلك على أجواء البلد واستقراره.
الاضراب العام اليوم
وفي مقابل المماطلة والتسويف في الحلول، برزت دعوات جديدة الى الاضراب العام واقفال الطرق اليوم لممارسة مزيد من الضغوط على رئيس الجمهورية ميشال عون لاطلاق عملية الاستشارات النيابية، وتكليف رئيس يتولى تأليف حكومة جديدة. وقد شهدت ساحة الشهداء في وسط بيروت وساحات طرابلس وصيدا وجونيه حشوداً كثيفة أمس وتصاعدت الدعوات الى الاضراب العام والعصيان المدني اليوم.
المصدر. لبنان. 24